بمناسبة الخامس والعشرین من شهر رجب الأصب ذکرى شهادة

الامام موسی بن جعفر الکاظم (علیه السلام) الألیمة

 

 

الإمام موسی بن جعفر الکاظم (علیه السلام) هو سلیل النبوة ، و وارث علوم أهل البیت (علیهم السلام) فی عصره، و على الرغم من الظرف العام الحرج ، و تضییق الحکّام علیه إلا أنه لم یترک مسؤولیته العلمیة ، و لم یتخلّ عن تصحیح المسار الإسلامی بکل ما حوى من علوم و معارف و اتجاهات .

فلقد تصدى هو و تلامذته لتیارات الإلحاد و الزندقة لتثبیت أرکان التوحید ، و تنقیة مدارات العقیدة ، وإیجاد رؤیة عقائدیة أصیلة تشع بروح التوحید، و تثبت فی اعماق النفس و العقل.

کما أغنى مدرسة الفقه بحدیثه و روایاته و تفسیره ، و کان بهذه المنهجیة یثبّت أرکان الإسلام  ، و یعمّق أصول التفسیر الإسلامی ، و یُنقّی مناهج الفقه و التشریع ، فحفظ بذلک مدرسة اهل البیت (علیهم السلام) ، و اغنى عطاءها ، و أنمى ثمارها.

و لقد ذکرت کتب الرجال ، و تراجم الرواة ، و المعنیین بالحدیث أن أکثر من ثلاثمائة راوٍ ، رووا عن الإمام موسى بن جعفر ( علیه السلام .(و یذکر التاریخ العلمی بفخر کوکبة من تلامذته کما یذکر للکثیر منهم کتباً و مؤلفات علمیة ثریّة.

 

المواهب العلمیة للإمام الکاظم ( علیه السلام(

 

لا شک فیه أن الإمام الکاظم ( علیه السلام ) کان أعلم أهل عصره ، و أدراهم بجمیع العلوم . أما علم الفقه والحدیث ، فکان ( علیه السلام ) من أساطینه ، و قد احتَفّ به العلماء و الرُواة ، و هم یسجلون ما یفتی (علیه السلام) به ، و ما یقوله من روائع الحِکم و الآداب .

و قد شهد الإمام الصادق (علیه السلام) وهو عماد الأمة ورائد نهضتها الفکریة بوفرة علم ولده
بقوله (علیه السلام)

إنّ ابنی هذا - و أشار إلى ولده الإمام الکاظم ( علیه السلام ) - لو سألتَه عما بین دَفّتَی المصحف لأجابک فیه بِعِلم  (قرب الإسناد، ص193).

و قال ( علیه السلام ) فی فضله أیضاً :

و عنده عِلم الحِکمة و الفِهم و السّخاء ، و المعرفة بما یحتاج إلیه الناس فیما اختلفوا فیه من أمْرِ دینهم (حیاة الإمام الرضا، ج1، ص72).

و قد روى العلماء عنه ( علیه السلام ) جمیع أنواع العلوم مما امتلأت به الکتب .

 

قال الشیخ المفید (رحمه الله) :

 

و قد روى الناس عن أبی الحسن ( علیه السلام ) فأکثروا ، و کان أفقه أهل زمانه . و نقل عن أبی حنیفة أنه قال : حججتُ فی أیّام أبی عبد الله الصادق ( علیه السلام ) ، فلمّا أتیتُ المدینة دخلتُ دارَه، فجلستُ فی الدهلیز أنتظر إذنه ( علیه السلام) ، إذ خرج صبیّ فقلت : یا غلام أین یضع الغریب الغائط من بلدکم ؟ .

قال : على رَسْلِک.

ثم جلس مستنداً إلى الحائط ، ثم قال :

تَوَقَّ شُطوط الأنهار ، و مَساقط الثمار ، و أفنیة المساجد ، و قارعة الطریق ، و توارَ خلف جدارٍ ، و شلّ ثوبک ، و لاتستقبل القبلة و لاتستدبرها ، وضع حیث شئتَ .

فأعجبنی ما سمعت من الصبی ، فقلت له : ما اسمک ؟

فقال : أنا موسى بن جعفر بن محمد بن علیّ بن الحسین بن علی بن أبی طالب (علیهم السلام) 

فقلت له : یا غلام ، ما المعصیة ؟

فقال : إن السیّئات لاتخلو من إحدى ثلاث..

إمّا أن تکون من الله ولیست من العبد ، فلا ینبغی للرب أن یعذّب العبد على ما لایرتکب .

و إمّا أن تکون منه و من العبد ، و لیست کذلک ، فلاینبغی للشریک القوی أن یظلم

الضعیف .

وإمّا أن تکون من العبد – و هی منه – ، فإن عَفا فَکرمه وَجُوده ، و إن عاقب فبذنب العبد و جَریرَته  .

قال أبو حنیفة : فانصرفت ، و لم ألقَ أبا عبد الله ، و استغنیتُ بما سمعتُ  (تحف العقول، ص411)

 

مناظرات الإمام الکاظم (علیه السلام)

 

للإمام الکاظم ( علیه السلام ) مناظرات و احتجاجات هامّة ، و بلیغة مع خصومه المناوئین له ، کما جرت له مناظرات أخرى مع علماء النصارى و الیهود ، و قد برع فی جمیعها ، و أفلج الجمیع بما أقامه من الأدلّة الدامغة على صحّة ما یقول ، و بطلان ما ذهبوا إلیه ، و قد اعترفوا کلّهم بالعجز و الفشل معجبین بغزارة علم الإمام ، و تفوّقه علیهم ، منها :

 

مناظرته ( علیه السلام ) مع علماء الیهود

 

قصد وفد من علماء الیهود الإمام الصادق ( علیه السلام ) لیحاججوه فی الإسلام ، فلمّا مثلوا بین یدیه انبروا إلیه یطلبون منه الحجّة و الدلیل على نبوّة رسول الله (صلّى الله علیه و آله وسلم)، قائلین:

أی معجز یدل على نبوّة محمّد ؟

أجابهم ( علیه السلام )  :

کتابه المهیمن ، الباهر لعقول الناظرین ، مع ما أعطی من الحلال و الحرام و غیرهما ، ممّا لو ذکرناه لطال شرحه .

فقالوا : کیف لنا أن نعلم هذا کما وصفت ؟

فانطلق الإمام الکاظم ( علیه السلام ) ، و کان آنذاک صبیاً قائلاً لهم :

و کیف لنا بأن نعلم ما تذکرون من آیات الله لموسى على ما تصفون ؟

قالوا : علمنا ذلک بنقل الصادقین .

قال لهم : فاعلموا صدق ما أنبأتکم به بخبر طفل لقّنه الله تعالى من غیر تعلیم ، و لامعرفة عن الناقلین .

فبهروا و آمنوا بقول الإمام الکاظم الصبی ( علیه السلام ) ، الذی هو المعجز بحق ، و هتفوا معلنین إسلامهم قائلین :

نشهد أن لا اله إلاّ الله ، و إنّ محمّداً رسول الله ، و إنّکم الأئمّة الهادون ، و الحجج من عند الله على خلقه.

و لمّا أدلى الإمام ( علیه السلام ) بهذه الحجّة و أسلم القوم على یده ، وثب إلیه

والده ( علیه السلام ) ، فقبّل ما بین عینیه ، و قال له :

أنت القائم من بعدی (بحار الأنوار، ج10، ص244)

 

جود الإمام الکاظم ( علیه السلام (

 

کان الإمام الکاظم ( علیه السلام ) من أندى الناس کَفاً ، و من أکثرهم عطاء للبائسین و المحرومین .

و من الجدیر بالذکر أنه ( علیه السلام ) ، کان یتطلّب الکتمان و عدم ذیوع مایعطیه ، مبتغیاً بذلک الأجر عند الله تعالى . و یقول الرواة :

أنه ( علیه السلام ) کان یخرج فی غَلَسِ اللیل البهیم ، فیوصل البؤساء و الضعفاء ، و هم لایعلمون من أی جهة تَصِلهم هذه المَبَرّة.

و کانت صلاته لهم تتراوح ما بین المائتین دینار إلى الأربعمائة دینار ، و کان أهله یقولون :

عَجَباً لمن جاءته صرار موسى ( علیه السلام ) ، و هو یشتکی القلة و الفقر.

و قد حفلت کتب التاریخ ببوادر کثیرة من الحاجة و السؤال ، و یجمع المترجمون له أنه ( علیه السلام )، کان یرى أنّ أحسَنَ صرفٍ للمال هو ما یَردّ به جوعُ جائع أو یکسو به عاریاً .

 

إغاثته ( علیه السلام ) للملهوفین

 

و من أبرز ذاتیّات الإمام الکاظم ( علیه السلام ) إغاثته للملهوفین و إنقاذهم ، مما أَلَمّ بهم من مِحَن الأیام و خطوبها ، و کانت هذه الظاهرة من أحبّ الأمور إلیه . و قد أفتى أتباعه بجواز الدخول فی حکومة هارون بشرط الإحسان إلى الناس ، و قد شاعت عنه هذه الفتوى :

کَفّارَةُ عَمَل السّلطان الإحسان إلى الإخوان (کشف الغمة، ج2، ص423

 

 

برّ الإمام الکاظم ( علیه السلام ( وإحسانه

 

من أبرز خصائص أئمّة أهل البیت ( علیهم السلام ) البر والإحسان إلى الناس کافّة ، وبصورة خاصّة الطبقة الضعیفة ، فکانوا یخصّونهم بجزیل فضلهم ، ونبل عطایاهم ، حتّى کان من منهجهم فی اللیالی المظلمة ، هو الطواف على بیوت الفقراء والمساکین بالأغذیة والمال ، وهم لا یعرفونهم .

 

 

ابن الصباغ المالکی یصف الإمام (علیه السلام(

 

قال ابن الصبّاغ المالکی : کان موسى الکاظم ( علیه السلام ) أعبد أهل زمانه ، وأعلمهم ، وأسخاهم کفّاً، وأکرمهم نفساً ، وکان یتفقّد فقراء المدینة ، ویحمل إلیهم الدراهم والدنانیر إلى بیوتهم والنفقات ، ولا یعلمون من أی جهة وصلهم ذلک

، ولم یعلموا بذلک إلاّ بعد موته  (الفصول المهمة، ج2، ص949).

 

 

الأربلی یتحدث عن الإمام (علیه السلام)

 

وقال علی بن عیسى الأربلی : مناقب الکاظم وفضائله ومعجزاته الظاهرة ، ودلائله وصفاته الباهرة ، تشهد أنّه افترع قبّة الشرف وعلاها ، وسماها إلى أوج المزایا فبلغ أعلاها ، وذلّلت له کواهل السیادة فرکبها وامتطاها ، وحکم فی غنائم المجد فاختار صفایاها واصطفاها .

فکان کما قال الشاعر :

أتاه المجد من هنا وهنا ** وکنا له کمجتمع السیول

السحاب الماطر قطرة من کرمه ، والعباب الزاخر نغبة من نغبه ، واللباب الفاخر من عبد من عبیده وخدمه .

کاظم الغیظ ، وصائم القیظ ، عنصره کریم ، ومجده حادث وقدیم ، وهو بکل ما یوصف به زعیم ، الآباء عظام ، والأبناء کرام ، والدین متین ، والحق ظاهر مبین ، والکاظم فی أمر الله قوی أمین ، وجوهر فضله غالٍ ثمین ، وواصفه لا یکذب ولا یمین ، قد تلقّى رایة الإمامة بالیمین ، فسما ( علیه السلام ) إلى الخیرات منقطع القرین .

 

 

العصر  الظلامی

 

عاصر الإمام الکاظم ( علیه السلام ) خلال فترة إمامته أربعة من الخلفاء العباسیین ، و هم :

المنصور ، المهدی ، الهادی ، الرشید .

وقد زخرت هذه الفترة بالأحداث و الوقائع التاریخیة الخطیرة ، و کان من أبرز تلک الوقائع ، هی الثورات و السجن و الملاحقات و القتل الفردی و الجماعی لآل أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب ( علیه السلام ) ، و بنی عمومتهم من الطالبِیّین .

فالولاة یحکمون ، و یعبثون ، و یتصرفون کیف شاءوا ، ما زالوا محافظین على طاعة الخلیفة . لأن المطلوب هو الولاء للخلیفة العباسی لا بَسط العدل و إقامة أحکام الإسلام ، وکانوا یأخذون الناس غیلة ویعتقلونهم بالتهمة والریبة فیودعونهم السجون ویذوقونهم شتى أصناف التعذیب والتنکیل دون رحمة أو شفقة فینتهی بهم المطاف إما إلى الموت أو البقاء مع المزید من التعذیب والشقاء ومتى ما قررالحکام التخلص منهم لم یفرجوا إلا وهم أموات بعد أن یقتلونهم بالسم.

و فی مثل هذه الأوضاع

أمر الرشید بنقل الإمام الکاظم (علیه السلام) وهو حفید رسول الله من سجن الفضل إلى سجن السندی بن شاهک ، الشرّیرالذی لم تدخل الرحمة إلى قلبه ، و قد تَنکّر لجمیع القِیَم .

فکان السجان (شاهک) لا یؤمن بالآخرة و لایرجو لله و قاراً ، فقابل الإمام ( علیه السلام ) بکل قسوة و جفاء ، فَضَیّق علیه فی مأکله و مشربه ، و کَبّله بالقیود

مسجوناً.

و یقول الرواة فی هذا المجال : إنه قَیّده بثلاثین رطلاً من الحدید.

و أقبل الإمام ( علیه السلام ) على عادته على العبادة ، فکان فی معظم أوقاته یصلی لربه ، و یقرأ کتاب الله ، و یُمجّده و یَحمُده على أنْ فَرّغه لعبادته (حیاة الإمام الرضا (علیه السلام)، ج1، ص86

 

 

شهادته ( علیه السلام (

 

عهد هارون إلى السندی باغتیال الإمام ( علیه السلام ) ، فَدُسّ له سُمّاً فاتکاً فی رطب ، و أجبره السندی على تناوله . فأکل ( علیه السلام ) مِنهُ رطبات یسیرة ، فقال له السندی : زِد على ذلک . فَرَمَقَهُ الإمام ( علیه السلام ) بَطَرْفِه ، و قال له :

حَسبُکَ ، قد بَلغتُ ما تحتاجُ إلیه.

و تفاعل السم فی بدنه ( علیه السلام ) ، و أخذ یعانی الآلام القاسیة ، و قد حفت به الشرطة القُساة. و لازَمه السندی ، و کان یُسمِعُه مُرَّ الکلام و أقساه ، و مَنعَ عنه جمیع الإسعافات لِیُعَجّل له الوفاة و الشهادة المَحتومة .

و لما ثقل حاله ( علیه السلام ) ، و أشرف على الوفاة ، استدعى المُسیّب بن زهرة ، و قال له :

إنی على ما عَرّفتُک من الرحیل إلى الله عزَّ و جلَّ ، فإذا دَعوتُ بِشُربة من ماءٍ فَشربتُها ، و رأیتنی قد انتَفَختُ ، و اصفَرَّ لونی و احمَرَّ و اخضَرَّ ، وَ أتَلَوَّنُ ألواناً ، فأخبر الطاغیة بوفاتی  .

فقال المُسیَّب : فلم أزلْ أراقب وَعده ، حتى دعا ( علیه السلام ) بشربة فَشربَها ، ثم استدعانی فقال:

یا مُسیَّب ، إن هذا الرِّجس السِّندی بن شَاهک سَیزعم أنه یتولَّى غسلی و دفنی ، و هیهات هیهات أن یکون ذلک أبداً ، فإذا حُمِلت إلى المقبرة المعروفة بمقابر قریش فَألحِدُونی بها  .

قال المُسیَّب : ثم رأیتُ شخصاً أشبه الأشخاص به جالساً إلى جانبه ، و کان عهدی بسیِّدی الرضا ( علیه السلام ) ، و هو غلام ، فأردت أن أسأله ، فصاح بی سیدی الکاظم ( علیه السلام ) ، و قال :

أَلیسَ قَد نَهَیتُک ؟!.

ثم إنه غاب ذلک الشخص ، و جئتُ إلى الإمام ( علیه السلام ) ، فإذا به جثة هامدة قد فارق الحیاة ، فانتهیت بالخبر إلى الرشید  (حیاة الإمام الرضا (علیه السلام)، ج1، ص88)

و کانت شهادته ( علیه السلام ) فی ( 25 ) رجب من سنة ( 183 هـ ( .

 

المصدر : مجلة الثقلین العدد 118

نگارش در تاريخ پنجشنبه ۱٧ تیر ۱۳۸٩ توسط پیـوند آل محمد (ص) | نظرات()